محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
328
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
سكنا . فلما كان العبد على هذا الوصف صدف عن هذه الدار الدنيوية ، أي : مال عنها مغضيا جفنه عن أقذائها من غير مبالاة بذلك معرضا عنها بوجه قلبه ، قد ولّاها دبره من غير التفات إليها . وهذا مبالغة في نبذها واطّراحها ، فلم يتوطنها بظاهره على سبيل التمتع بها والاستبشار ، ولم يساكنها بباطنه على جهة المحبّة لها والإيثار ، بل نزلها منزلة السجن والمضيق ، ووطن نفسه فيها على تحمّل ما يطيق وما لا يطيق . وهذه علامات على تحققه بالزهد في الأمور الفانية التي هي بغيضة له ، فلما وصل إلى ذلك حصل له من طهارة قلبه ، وصفاء لبّه ما حمله على التعلّق بمولاه الباقي الدائم فجعل دنياه معبرا يعبره إليه كما سيقوله المؤلف الآن . بل أنهض الهمة فيها إلى اللّه تعالى ، وسار فيها مستعينا به في القدوم عليه . هذا ابتداء سفره بقلبه إلى الحضرة العلية ، وبدأ بإنهاض الهمّة إلى ربّه ، والاستعانة به في القدوم عليه ، وهو أساس أمره كما تقدّم . قال الشاعر : إذا لم يعنك اللّه فيما تريده * فليس لمخلوق إليه سبيل وإن هو لم يرشدك في كلّ مسلك * ظللت ولو أن السّماك « 1 » دليل قال أبو محمد الجريري ، رضي اللّه تعالى عنه : « من توهّم أن عملا من أعماله يوصّله إلى مأموله الأعلى أو الأدنى فقد ضلّ عن طريقه ؛ لأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « لن ينجّي أحدا منكم عمله » « 2 » فما لا ينجّي من المخوف كيف يوصّل إلى المأمول ؟ ومن صحّ اعتماده على فضل اللّه فذلك الذي يرجى له الوصول » . فما زالت مطية عزمه لا يقرّ قرارها ، دائما تسيارها إلى أن أناخت بحظيرة القدس وبساط الأنس محل المفاتحة والمواجهة والمجالسة والمحادثة والمشاهدة والمطالعة ، فصارت الحضرة معشش قلوبهم إليها يأوون ، وفيها يسكنون . هذه استعارات مليحة استعملها في سفر القلب إلى حضرة الربّ . وقد تقدّم معنى ذلك عند قوله : ( لولا ميادين النفوس ما تحقق سير السائرين ) . وحضرة القدس ، وبساط الأنس هما موضع محط الرحال ، وبلوغ الأوطار والآمال ، من قبل أن السالك تمحى عنه رسوم بشريته ، وتبطل أحكام إنيّته ، وتنكشف له
--> ( 1 ) السّماك : السماكان : نجمان نيران ، يقال لأحدهما : السماك الرامح وللآخر السماك الأعزل . ( 2 ) أخرجه البخاري ( رقاق ، 18 ) ، ومسلم ( منافقين ، 71 ) ، والدارمي ( رقاق ، 24 ) ، وأحمد بن حنبل ( 2 ، 451 ، 482 ، 488 ، 495 ، 503 ، 514 ، 537 ، 3 ، 362 ) .